السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
229
مختصر الميزان في تفسير القرآن
بالشهود أن يخافوا مقام ربهم : ولا ينحرفوا عن الحق الذي رزقهم اللّه العلم به ، ولا يكتموا شهادة اللّه فيكونوا من الآثمين والظالمين والفاسقين . فقوله تعالى : يَوْمَ يَجْمَعُ الخ ؛ ظرف متعلق بقوله في الآية السابقة « وَاتَّقُوا اللَّهَ » الخ ؛ وذكر جمع الرسل دون أن يقال « يوم يقول اللّه للرسل » لمكان مناسبة مع جمع الشهداء للشهادة كما يشعر به قوله : « تَحْبِسُونَهُما مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ » . وأما نفيهم العلم يومئذ عن أنفسهم بقولهم « لا عِلْمَ لَنا إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » فإثباتهم جميع علوم الغيوب للّه سبحانه على وجه الحصر يدل على أن المنفي ليس أصل العلم فإن ظاهر قولهم « إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ » يدل على أنه لتعليل النفي ، ومن المعلوم أن انحصار جميع علوم الغيب في اللّه سبحانه لا يقتضي رفع كل علم عن غيره وخاصة إذا كان علما بالشهادة ، والمسؤول عنه أعني كيفية إجابة الناس لرسلهم من قبيل الشهادة دون الغيب . فقولهم : لا عِلْمَ لَنا ليس نفيا لمطلق العلم بل لحق العلم الذي لا يخلو عن التعلق بالغيب فإن من المعلوم أن العلم إنما يكشف لعالمه من الواقع على قدر ما يتعلق بأمر من حيث أسبابه ومتعلقاته ، والواقع في العين مرتبط بجميع أجزاء الخارج مما يتقدم على الأمر الواقع في الخارج وما يحيط به مما يصاحبه زمانا فالعلم بأمر من الأمور الخارجية بحقيقة معنى العلم لا يحصل إلا بالإحاطة بجميع أجزاء الوجود ثم بصانعه المتعالي من أن يحيط به شيء ، وهذا أمر وراء الطاقة الإنسانية . فلم يرزق الإنسان من العلم في هذا الكون الذي يبهته التفكير في سعة ساحته ، وتهوله النظرة في عظمة أجرامه ومجراته ، ويطير لبه الغور في متون ذراته ، ويأخذه الدوار إذا أراد الجري بين هاتين الغايتين إلا اليسير من العلم على قدر ما يحتاج اليه في مسير حياته كالشمعة الصغيرة يحملها طارق الليل المظلم لا ينتفع من نورها إلا أن يميز ما يضع عليه قدمه من الأرض .